السيد حيدر الآملي
320
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
واعتراض آخر وهو قوله إذا شاهدتم أرواحا بم عرفتم أنها أرواح بشريّة ، فهو أيضا غير موجّه ، وهو في غاية البعد لأنّهم إذا قالوا شاهدنا بالكشف كذا وكذا فكلّ من قال بم عرفتم صحّته ، قالوا بالكشف ، وذلك الوقت تسقط جميع الاعتراضات عليهم ، ومثل هذا الكلام من مثل هذا الفاضل ، ومن الحكماء أيضا بعيد ، لكن إذا حقّقنا قوله تعالى : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [ سورة يوسف : 76 ] . وقوله : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ سورة الإسراء : 85 ] . عرفنا أنّ هذا ليس ببعيد ، فإن استعداده وفهمه ما تعدّى عن هذا المكان . والحمد للّه الذي وفّقنا لجوابه على أحسن الوجوه وأعطانا القوّة والقدرة على منعه في غاية الوضوح ، فحينئذ يجب علينا أن نقول بلسان الحال والمقال : الحمد للّه الّذي فضّلنا على كثير من عباده وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم ، وحيث فرغنا من هذا وظفرنا بما أردنا منه فلنشرع فيه بما سنح لنا من اللّه الجواد بموجب ما شرطناه أوّلا وهو هذا : فنقول : لا شك ولا خفاء ، إنّ الناس قد اختلفوا في تحقيق الآية والخبر وحصرهما في سبعة وسبعين ألفا ، وقال كلّ واحد منهم ما يمكن منه بقدر فهمه واستعداده كما عرفت بعضه ، وإلى الآن ما ظفر أحد منهم بعلّة الحصر والتعيين ، بل أكثرهم ذهبوا إلى أنّ هذا للتغليب والتكثير ، لا للحصر والتّعيين ، والحال أنّ التّغليب والتّكثير بالألف والألفين كان أنسب كما تقرّر ، والّذي عرفت من بحث ذلك الفاضل أيضا ، ليس على أصل صحيح ، وفيه ما فيه ، ولكن الحقّ تعالى لمّا أنعم به علينا قبل هذا وكتبنا فيه رسالة كما ذكرناه ، فنذكر هاهنا منها ما يحتاج إليه ، قياما بشكر نعمته وإظهارا لحقّ خدمته وهو هذا .